محمد حسين هيكل
257
حياة محمد ( ص )
أقسمت يا نفس لتنزلنّه * لتنزلنّ أو لتكرهنّه إن أجلب الناس وشدّوا الرّنّة * مالي أراك تكرهين الجنّة ثم أخذ سيفه فتقدّم فقاتل حتى قتل . هؤلاء زيد وجعفر وابن رواحة استشهدوا ثلاثتهم في سبيل اللّه في موقعة واحدة . لكن النبيّ لمّا علم بخبرهم كان على زيد وجعفر أكبر أسى ، وقال : لقد رفعوا إلىّ الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب ، فرأيت في سرير عبد اللّه بن رواحة ازورارا عن سرير صاحبيه ؛ فسأل : لم هذا ؟ فقيل : مضيا ، وتردّد عبد اللّه بعض التردد ثم مضى . أترى إلى هذه العبرة والموعظة الحسنة ! فإنما معناها أن المؤمن لا يجوز له أن يتردد أو يخاف الموت في سبيل اللّه ؛ بل يجب عليه ، كلما مضى في أمر يؤمن بأنه للّه والوطن ، أن يحمل حياته على كفّه ، وأن يلقى بها في وجه من يقف في سبيله ؛ فإما فاز وظفر فبلغ ما يؤمن به من حق اللّه والوطن ، وإمّا استشهد فكان المثل الحيّ لمن بعده والذكر الباقي لروح عظيم عرف أن قيمة الحياة ما يضحّى بالحياة في سبيله ، وأن الإمساك على الحياة في مذلة إهدار للحياة ، فما يستحق صاحبها بعد ذلك في الحياة ذكرا ؛ وأن الرجل يلقي بيديه إلى التهلكة إذا هو عرّض حياته تعريضا تذهب معه ضحية غرض وضيع ، وأنه كذلك يلقي بيديه إلى التهلكة إذا هو أمسك على حياته حين يدعوه داعي الحق جلّ شأنه ليقذف بها في وجه الباطل ليستحقه ، فيواريها هو بالحجاب ويخاف عليها الموت خوفا هو شرّ من الموت . وإذا كان التردّد القليل من ابن رواحة مع إقدامه بعد ذلك واستشهاده ، قد جعله في غير مكانة زيد وجعفر اللذين اقتحما صفوف الموت اقتحاما وطارا للاستشهاد فرحا ، فما بالك بالذي ينكص على عقبيه طمعا في جاه أو مال أو غرض من أغراض الحياة ! إنه إذا للحشرة الحقيرة وإن عرض عند السواد جاهه ، وإن بزّ مال قارون ماله . وهل لنفس إنسانية أن تغتبط حقّا لشيء اغتباطها للتضحية في جانب ما تؤمن بأنه الحقّ ، حتى تنتهي من ذلك إلى الاستشهاد في سبيل الحق ، أو إلى تمليك الحق الحياة ! مداورة خالد بن الوليد قتل ابن رواحة بعد تردد ثم إقدام ، فأخذ الراية ثابت بن أرقم أحد بني العجلان ، فقال : يا معشر المسلمين ، اصطلحوا على رجل منكم . قالوا : أنت . قال : ما أنا بفاعل . فاصطلح الناس على خالد بن الوليد . فأخذ خالد الراية مع ما رأى من تفرّق صفوف المسلمين وتضعضع قوتهم المعنوية . وكان خالد قائدا ماهرا ومحرّكا للجيوش قلّ نظيره . لذلك أصدر أوامره ، فداور بالمسلمين حتى ضم صفوفهم ، ووقف من محاربة العدو عند مناوشات امتدّت به حتى أرخى الليل سدوله ، ووضع الجيشان السلاح إلى الصباح . أثناء ذلك أحكم خالد تدبير خطّته ، فوزّع عددا غير قليل من رجاله في خط طويل من مؤخّرة جيشه أحدثوا ، إذا أصبح الناس ، من الجلبة ما أدخل في روع عدوّه أن مددا جاءه من عند النبي . وإذا كان ثلاثة آلاف قد فعلوا بالروم الأفاعيل في اليوم الأوّل وقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وإن لم يستطيعوا أن يثبتوا ، فما عسى أن يصنع هذا المدد الذي جاء لا يدري أحد عدّته ! ! لذلك تقاعس الروم عن مهاجمة خالد وسرّوا بعدم مهاجمته إيّاهم ، وكانوا أكثر سرورا بانسحابه ومن معه راجعين إلى المدينة ، بعد معركة لم ينتصر بها المسلمون وإن كان حقّا كذلك أن عدوّهم لم ينتصر عليهم فيها .